الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
145
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
الحواس ، فكلّ حاسّة تطيع تكوينا العقل الكائن في صاحبها كما وكيفا ، فمن كمل عقله كثر علمه ومعارفه ومشاهداته وعبادته ، وهكذا ساير الكمالات فيه . وإلى هذا كله يشير قوله عليه السّلام : فقرر بها على أسماع ، أي بالعقول قرر الأسماع ، مقرّها في السماع الحقيقي والصوري ، وهكذا بالنسبة إلى قوله عليه السّلام : ونواظر وأفكار وخواطر ، فكلّ هذه إنما يعمل مقتضاها بالعقل المقرر فيه . وبعبارة أخرى : أنه تعالى منح للمكلفين العقل ، وهو بنفسه يدرك المعاني والحقائق والرقائق ، فالحقيقة الإنسانية والروح الإنساني بواسطة مزجها بالعقل تدرك الحقائق بالعقول ، وتدرك النفوس الصور بها ، وتدرك الروح الأشباح بالحس المشترك بها ، وتدرك الروح بالعين الألوان بها ، وتدرك الروح بالأذان الأصوات بها ، وتدرك الروح الروائح بالحلمات بها ، وتدرك الروح بالبشرة الملموسات بها . والحاصل : أن هذه المشاعر ظاهرها وباطنها الكائنة في الإنسان ، إنما يدرك بها الروح مقتضياتها بواسطة العقول الممزوجة بها . ففي الحقيقة أن تلك المدركات إنما هو بالعقل ، كما أن البصر إنما يدرك المبصر بالنور . ولذا قال عليه السّلام : " ألا ومثل العقل في القلب كمثل السراج في وسط البيت " كما تقدم . ومعنى ممازجة العقل بها ظهور العقل بما له من الدرك في تلك الحواس . ففي كلّ حاسة يظهر العقل بما يناسبه ، وما هو حقّه ومستحقه في تلك الحاسة ، حسب الحكمة الإلهية في خلقها ، وقد جعلها فيها بحيث يستعملها أي العقول صاحبها في تلك الحواس فيما يراد منها من الآثار ، كما لا يخفى . قوله عليه السّلام : " ألزمهم بها حجته " ، أي ألزم الإنسان والخلق بما فيه من تلك الحواس والمشاعر والشواهد حجته أي العقل ، الذي علمت أنه الحجة الباطنة له